ماسينيون وآلام الحلاج
- 14 ديسمبر، 2025

ماسينيون وآلام الحلاج
من المتقرر أنه يطلب من كل مثقف وطالب علم أن يقدم شيئا “علميا / ثقافيا” زكاة لما تعلمه. ومن المتقرر أيضا أننا نتوقع منه أن يكتب في حدود قدراته وإمكاناته ..
هذا التقديم الذي بدأت به يساعدني إلى الولوج إلى فكرتي التي ماتزال تصحبني وأنا أعيش جزءا كبيرا من حياتي بين الكتب والمقالات والدروس والبودكاستات والمنشورات وغيرها .
وأعني بالتحديد الإنتاج الهزيل لمن يتوقع منهم أن يقدموا شيئا يتوازن مع أسنانهم وما تلّقوه من علوم ومعارف ، وهو لا يسمى في الواقع المعرفي إنتاجا، بل هي كتابات وتعليقات في الفيس بوك والواتس وتويتر وغيرها ..
لا أبالغ إذا قلت أنني أصاب يوميا بألم وحسرة وأنا أقف على شيء من هذه الكتابات المخيبة للآمال ..
وحين حاولتُ تحليل الأمر والوقوف على سببه، ظهر لي سبب ربما يكون هو الأبرز من جملة أسباب مرّت عليّ سابقا ولم تستقر في ذهني ..
وهو أن صاحبنا – المخيب لظنونا – قد توقفت عجلة التلقي عنده، وتعطّلت لديه تروس التفكير منذ زمن، ونحن نظن أنه يواصل الليل بالنهار ويدأب في التعلم ..
أكّد هذا الأمر عندي حين تذكرت حديثا جرى مع أستاذ جامعي (بدرجة برفسور)، وكان حول القراءة فاعترف لي صريحا أنه منذ زمن بعيد متوقف عن القراءة، ولا يزور المعارض ولا المكتبات..
حادثتُ بهذا غير واحد من الأصدقاء فأكدّوا لي أنه هذا متكرر، وكم من واحد (أكاديمي) تخلّص من مكتبته حين ظفر بالدرجة التي يريدها في جامعته.
وهذا الأمر ليس متعلقا فقط بأساتذة الجامعات، بل بطائفة واسعة ممن لهم ارتباط بالعلم والثقافة من مدرسين وموظفين هنا وهناك .
ولعلي أذكر لهؤلاء جهد واحد من أعداء الإسلامي وهو أكاديمي مثلهم: المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي درس شخصية الحلاج لمدة طويلة قريبا من ١٥ توجها بمشروعه ( آلام الحلاج ” أربعة مجلدات، و ديوان الحلاج ،وأخبار الحلاج) معتبرا الحلاج شهيد الحب الإلهي.. وكان لهذا المشروع أثر كبير في الدراسات الاستشراقية، واستمر ماسينيون يدرس التصوف وعلم الكلام والثقافة الإسلامية، وتأثر به كثير من الطلاب العرب، لعل من أبرزهم الفيلسوف عبدالرحمن بدوي.
واستطاع ماسنيون عبر جهده المكثّف أن يحوّل الحلاج من شخصية هامشية عند المستشرقين، إلى شخصية مركزية في عالم التصوف.
وإن أردت أن تتفاجأ بجلد هؤلاء المستشرقين، فعل تراجع ما كتبته سابقا في مقالة القلق النافع .
وأختم بالدعاء الذي ينسب إلى عمر رضي الله عنه: “نعوذ بالله من جلد الفاجر وعجز الثقة” .
شارك المدونة