الشذرات

الإبداع ينتج من المخزون المعرفي بتلقائية وانسيابية خفيّة، هكذا هي النفس تعطيك إذا أرادتْ وليس عند طلبك ..
وهنا يحسن القول بأهمية الاغتراف من المعارف الحقيقية، لتولد منها جماليات الأفكار ..
ما كتبه نجيب محفوظ في روائعه، وما شاد به شوقي في ترنماته، ليست سوى فيض النفس بعد امتلائها.

لا تعود عينك النظر في المشهد التافه والكلمة السقيمة والاختيار الباهت ..
الاعتياد هو استلاب روحي وعقلي وأخلاقي ..

ديمتري شوستاكوفيتش أصابه مرض شديد حيّر الأطباء، وبدأ الشلل يعصف بيده اليمنى ، فبادر بتعلم الكتابة بيد الضعيفة ( اليسرى) حتى لا ينقطع عن الكتابة..
نموذج للمذهلين الذين لا يتوقفون عن الإبداع !

عندما يكون تحليلك لفكرة أو خطاب أو رؤية يسير عبر مسار واحد ضيّق، منفصل عن السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي، فلابد أن تكون النتيجة ناقصة، باهتة، متجمدة، لا تقبل حينها التراجع وإعادة النظر ..
وتلك لعمري مشكلة كثيرين ممن يحسبون على الوسط المعرفي والعلمي.
وقلّب النظر وسترى هذا الأمر واضحًا كالشمس!

قرار الترك والتخلي من أهم القرارات الصعبة والتي يتعافى بها الإنسان.
التخلّي عن (علاقة متعبة، مشروع متعثر، عادة حابسة …).
وحين يحصل التخلي يشعر بعدها المرء بسعة الحياة، وتوافر لا حد له من الفرص السانحة.

الذخيرة اللغوية الممتلئة تمنح صاحبها كنوز الكتب ومخبآت النصوص ..
بينما صاحب المستودع اللغوي الفقير لا يجمع من النصوص والكتب إلا الفتات من المعاني والأفكار، فيبقى فقيرا في لغته وفهمه وانتفاعه.

معاودة النظر في الكتب المركزية والمؤسسة، وإردافها بالكتب المتفرعة عنها ، وقضاء نفيس الوقت في معالجة تلك المسائل، يكسبك مَلَكة العلم ، ولا يضرّك بعدها تفلّت بعض المعلومات من الذاكرة .. فبقاء المَلَكة هو الذي يسعفك عند إرادة تجويد الكتابة أو النشر أو الحديث.. أما المعلومة فأمرها قريب.
لا بد من أطر النفس على تقبل كتابات المؤلفين والمدونين وخصوصا من يهمك أن تقرأ لهم ..
بعضهم صريحٌ مؤلم، وآخر يلغز ويعجم، وثالث يستطرد فينسي آخرُ كلامه أوله، ورابع يوجز الوجيز ويعتصر المعتصر ..
درّب نفسك على تقبل ذلك كلّه، واجعل ذائقتك تكتسب مرونة جيدة ولياقة عالية ..
من شأن هذا ألا تحرم الإبداع والمعرفة التي هي عند كل هؤلاء باختلاف طرائقهم .

في القراءة والتأمل والبحث لا تقفز إلى النتيجة، بل تأمل طريقة الوصول إليها ..
تأمل المنهج لا الرأي والحكم ..
هذه طريقة أهل العقول الكبيرة الذين رسموا بأدوات البحث مدارج التعلم، لا المقلدة الذين يشتغلون فقط بترديد الصوت، و”رتويت” الكلام!