الغذامي المُبْهِر! ( 2-3)
- 31 ديسمبر، 2025

شارك المدونة
الغذّامي المُبْهِر (2-3)
هذه الحلقة الوسطى في حقيقتها هي أقرب لأن تكون خاتمة للحلقة الأولى، ولذلك ستراها قصيرة جدا، وقد رأيت أن أفردها بكتابة مستقلة، لتبقى في الأذهان، حين نناقش بعض الأفكار أو نحاول أن نقترب من مناقشتها؛ لأن بعض الأفكار الهلامية أو سريعة التقلّب والتشكّل، ستعجز في الرد عليها أو بيان الخلل فيها، كمن يحاول أن يسيطر على جسم زئبقي وهيهات له!
البحث عن معيار الجودة
نبحث دائما عن النص الجيد، والرؤية المتينة، والفكرة المحلّقة، ونجدها بفرح عند الكاتب الذي يتصّف نصّه بالتماسك، والقوة، والصدق. هذه الثلاثية هي أهم معايير جودة النص.
في حين أننا على يقين بأن بعض المؤلفين والكتاب ينخدع بالجماهيرية والشهرة، فيبقى زمنا طويلا متكئا على الجماهيرية (التي أتت إليه ولم يسع إليها أو العكس!) خاصّة أن الاشتهار له قوة تفوق الأفعال!
الراسخون أيّا كان تخصصهم يعلمون يقينا أن الشهرة أمرٌ عارض، يطول ويقصر، لكنه لا يكشف القيمة، ولا يعطي الحقيقة، وأن ثبات الفكرة ودوامها طويلا حتى بعد مرور الحقب الزمنية هو للجوهر الثريّ، الذي استجمع شروط التأثير واكتسب بسبب ذلك خاصية البقاء ..
وهل نصوص د. الغذامي لا تملك تلك المعايير والشروط؟ وإنما هو الاتّكاء فقط على الشهرة؟
وهل الجواب على هذا لا يمكن إلا بسبر نصوصه منذ بدايته في الكتابة الصحفية واطروحاته في الأندية الأدبية، ومؤلفاته التي مازالت تطبع وتباع؟.
أو يمكن بدراسة بعضها، وانتخاب أشهرها، وأكثرها سيرورة بين الجماهير.
أظن أن الانتخاب يعطي تصورا مقبولا، وأن سبر الجميع يبقى الأدق.
وعودا على مسألة الشهرة، فغير خافٍ على المطلع على بعض نتاج مراكز الفكر في القرون السالفة وأعني تحديدا في أوربا (واخترتها لأنها ترد على لسان وقلم أبي غادة كثيرا) أن تأثير الشهرة ظلم كثيرا من الأعمال العظيمة، ولكن غالب هذه الأعمال تجاوز مرحلة الظرفية للشهرة، وكان له الحظوة التي تليق به على مرّ الزمن بعده ..
وهاك بعض الأمثلة :
الشاعر الألماني الكبير جوته، لم يكن بشهرة مجايلٍ له يدعى أوغست فون شليغل، ونيتشه الألماني ظل زمنا وهو لا يبيع من كتبه إلا عشرين نسخة أو أقل في السنة الواحدة، وتناوش كبار الأدباء رواية بروست ” في البحث الزمن الضائع” بل رفض أندري جيد نشرها في الدار التي يشرف عليها “غاليمار” .
ومن أشهر من نقد الرواية نقدا لاذعا الشاعر النمساوي الشهير “ريلكه” ، ومع هذا كلّه، احتفت أوربا بعد ذلك بالرواية، ووصف “بروست” نقّادُ فرنسا وغيرها بالنابغة!
لاحظ: أنني أوردت ثلاثة فقط: جوته، نيتشه، بروست .. وإلا فالقائمة تطول حول من ظلمتهم الشهرة والحظوة عند الجماهير زمنا، وقدّمت غيرهم، إلا أن البقاء والتأثير كان بعد ذلك لمثل تآليف هؤلاء الثلاثة وامثالهم.
يقول أبو بكر العيادي: ” لقد أثبت التاريخ أن الإنسان طالما هو حيٌّ يرزق، يمكن أن يكون ثمةَ وهمٌُ في مجده، أو سوء تقدير لعطائه. ومهما يكن فالشهرة غلاف زائل بمرور الزمن، أما الجوهر الباقي فهو المحتوى أي النص “.
في مقالتي هذه (بأجزائها الثلاثة) لن أدرس إنتاج د. الغذامي فهو في غير مقدوري من حيث الكم الكبير عبر السنين، بل ولن أحكم على أستاذنا وعلاقته بالشهرة أو مدى جودة النصوص، وإنما تترك للزمن فهو الكفيل بإيقاف القراء والمهتمين على الحقيقة والصواب.
وأنا على يقين أنه حين تُطوى اللافتات، يعود المنتبهون لفتح النصوص ومساءلتها من جديد، بعيدا عن وهج الأسماء!
في الحلقة الأخيرة ، نقف -بإذن الله- مع ما وعدت مناقشته، وتأخر للسبب الذي ذكرته أعلاه.
للتواصل : [email protected]
واتس أب 00966555411722
شكراً شكراً
أنت موفق