كتب المخالفين !

شارك المدونة

كتب المخالفين !!

مسألة التعامل مع كتب المخالفين من أهل البدع هي من المسائل الدقيقة والحسَّاسة، التي فيها يقع الاختلاف أحيانًا بين المشتغلين بالعلم. وهذا يعدُّ من الأمور المتفهَّمة؛ فالأمر مرتبط بالإيمان والمعتقد، وهو الغاية والمقصد. والمؤمن يخشى أن تخدش هذه العقيدة؛ ولذا يبحث دائمًا عن السلامة، وعما يدفع به الشبهات عن قلبه.

وهنا أشير فقط إلى أنَّ التأسيس العَقدي من الضرورات التي يجب أن يُعنى بها المؤمن، فالتأسيس العقدي المتين يسمح للإنسان أن يطالع كتب أهل المقالات الأخرى، ومع هذا التأسيس فلو شعر المرء أنَّ الأمر قد يصيب منه فلزامًا عليه أن يتوقف، والمرء بصير بنفسه!

لكن السؤال: ما المنهج العام للتعامل مع كتب مَن نخالفهم؟

خصوصًا ما كان منها مشتملًا على حق مفيد وعلى باطل ضارٍّ.

وقد أجاب أهل العلم في دروسهم وكتبهم، وما زال الأمر يطرح مرة بعد مرة.

وقد كنت أتصفَّح يومًا كتاب الدكتور المتفنن عبد المحسن العسكر (مسامرة الكشاف بين مراقي تحليله ومهاوي تأويله).

فوجدته تعامل مع كتاب الكشَّاف للزمخشري تعاملًا لافتًا للنظر… فالزمخشري معروف بمذهبه الاعتزالي، يقول د. العسكر: (ولقد تبيَّن لي ذلك واضحًا حين مَنَّ الله عليَّ بوضع كتاب “البلاغة في ضوء مذهب السلف في الاعتقاد”: أنَّ الزمخشري أكبر شخصية علميَّة استغلَّت البلاغة أسوأ استغلالٍ؛ لخدمة معتقدها…). ثم ذكر -وفقه الله- أنه سابقًا عزم على أن يؤلِّف عن الكشَّاف كتابًا خاصًّا، قصد منه: إنصاف الكشَّاف ببيان ما له وما عليه، ووضع المنهجية الصحيحة للإفادة من الكتاب، مع الحذر من دسائسه الاعتزالية.

وبعد شوط طويل في دراسة الكتاب، ذكر د. العسكر في ختام الكتاب ما يلي:

  • أنَّ لتفسير الكشَّاف منزلة لا تُدفع بين كتب التفسير.
  • وأنه لا يصح القول بهجر “الكشاف” وترك الرجوع إليه، كما ذهب إليه بعض العلماء، فهذا من الإسراف في الحكم، ولو قلنا بذلك فلن يَسلم لنا من مصنَّفات العلماء إلا القليل.

وأكَّد على اعتزالية الزمخشري ووجوب التنبه لما في الكشاف من مخالفات عقدية، بل وجوب الردِّ على تلك الاعتزاليات.

وأخلص إلى أن: هذا هو المنهج المنضبط الذي يدعو إلى الإفادة من كتب أهل العلم، ووضعها في ميزان العدل والحق، وألا يكون الاطِّراح هو منهجنا الذي لا نغادره.

وتأملوا معي كيف أنَّ الغزالي كتب كتابه (الإحياء) ثم اختصره ابن الجوزي، ثم جاء ابن قدامة الحنبلي فاختصر المختصر.

وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي يكتب “منازل السائرين”، ولم يسلم كتابه من بعض المخالفات التي لا تخفى (كالتصوف)، ولكن ابن القيم السلفي احتفى بكتابه، فشرحه في كتابه العظيم “مدارج السالكين“، مع تنبيهه إلى ما وقع فيه الإمام الهروي.

وعلَّق الشيخ عبد الكريم الخضير على كتاب الهروي، وذكر وجود بعض المخالفات العَقدية، التي نبَّه عليها الشيخ محمد حامد الفقي، ثم قال: (لكنَّ الكتاب نفيس ومشحون بالفوائد التي لا توجد في غيره، وهو من أمتع الكتب، لكن يُتقَّى ما فيه من تصوف…).

والله أعلم.

[email protected]

د. عبدالله الشهري

أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان في جامعة الأمير سطام بالخرج، كاتب ومدون.

3 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
ma hmoud
4 شهور

ما شاء الله يا دكتور نفع الله بكم يارب

أسامة
4 شهور

التصوف أصبح من المخالفات ههههه كل أئمة الإسلام صوفية يا دكتور الحسن البصري، الغزالي ، الجويني، النووي، القشيري، إبراهيم بن أدهم، وغيرهم فهل من المعقول كل دول كانوا مبتدعين وحضرتك ومحمد بن عبدالوهاب من أهل السنة ههههه

أرسان
4 شهور
ردّ على  أسامة

لا يقصد المعنى الذي تقصده. التربية والتزكية والسير إلى الله والسلوك نحن لا نسميه تصوفا.

المزيد من النشرات