البيان المفقود: نحو تجميل لغة طلاب العلم الشرعي

 

البيان المفقود: نحو تجميل لغة طلاب العلم الشرعي

وأنت تقرأ في كتب الفقه، والعقيدة وعلوم القرآن وغيرها، ربما قفزتْ إلى ذهنك أيها القارئ أحيانا هذه الأسئلة..

-ما سبب هذا الجمود البياني في لغة الفقيه أو طالب العلم الشرعي؟

– هل العلوم الشرعية لا تكتب إلا بالأسلوب المباشر، والحرف الجامد؟

 – لماذا تراجعت لغة طلاب العلم عموما؟

الحقيقة أننا لو استرسلنا مع الأسئلة فلن تكون هذه فقط، بل أضعافها من التساؤلات بل والتعجبات ..

ويجمعها كلّها البحث عن أسلوب البيان لطالب العلم الشرعي .. ولستُ هنا لأكتب وأفصّل عن تجويد البيان واكتساب جمال الحرف ورونقه، فقد ازدحمت الكتب في السنوات الأخيرة بالحديث عن هذا الأمر.

لكني كنتُ وأنا أمرُّ سابقا على كتابات بعض أئمة العلوم الشرعية كابن القيم والغزالي والشاطبي وصولا إلى البشير الإبراهيمي والطاهر بن عاشور وعلي الطنطاوي في قائمة طويلة، أتسائل عن هؤلاء كيف استطاعوا الجمع بين الانكباب على فنونهم الشرعية، وبين امتلاكهم لهذا لسحر البياني ؟.  

ثم أعود وأخاطب نفسي: ولم نفترض صعوبة الاجتماع وأن الأصل هو الافتراق؟.

 والحق أن الاجتماع وارد وظاهر في عدد من السابقين والمعاصرين ،وقد مرت بعض أسمائهم، غير أن مما لا ينبغي إغفاله أو كتمه ومواراته أن بعض أساتذة العلوم الشرعية كانوا من أسباب هذا التراجع؛ حين كانوا يزهّدون في علوم البيان والمعاني وما تفرغ عن البلاغة من موضوعات، ويرون أنه مضر بطالب العلم الشرعي ومتنقص من هيبتها، وأنه لا يتسامح معها إلا في حدود ضيقة، وربما لبعض الطلاب، ويكفي من العربية علم النحو فقط .

وعلى طالب العلم أن يجعل من الأدب شعره ونثره، وفروعه كالقصة والرواية كالملح في الطعام ، وإن استطاع ترك الملح فهو أطيب لصحته!  وربما تعدى هذا الأمر إلى إساءة الظن في المهتم بالأدب عموما !

و حين تنظر فيمن ذكرتهم من الجامعين للخيرين، تجدهم سلكوا جادة غير هذه التي يرسمها بعض الأشياخ ، فأخذوا من العلم الشرعي حظا وافرا، وجعلوا من الأدب أصوله وفروعه مما لا يستغنى عنه، وأنه خادم للعلوم الشرعية ، ورافع لعقل المرء ومكانته وقبوله عند الناس .

 وحين تقرأ في سيرهم وما كتبوه عن فترة التعلّم والتتلمذ والقراءة الواسعة، تجد العجب العجاب ، فقد قرأوا في كتب الأدب قديمه وحديثه ، حتى كادوا أن يستظهروها ، وجرت عصارتها على أحرفهم، وفي منطوق ألسنتهم.

غير أنه يجب أن نتفق إلى أن الأمر يعود أولا إلى وجود مَلَكة في الشخص، لكنها ملكة لا تظهر وتنتشي وتورق إلا بانكباب على تلك المدونات شعرا ونثرا. يقول الطنطاوي : ” والملكة الكتابية لا تكمل ولا تُنتج الآثار البارعة ما لم تنضجها الدراسة الأدبية العميقة، وخير سبيل لإنماء هذه الملكة عند الطلاب هو ان يقرؤوا كتبَ الأدب القديمة، ليتعلّموا منها الأسلوب العربي ، ثم يقرؤوا لأهل البيان من كُتّاب العصر، ثم يقرؤوا روائع الأدب الغربي لتعينهم على إتقان الأسلوب الفني “..

ولا يكفي هذا لمريد تجويد الكتابة، فبعد القراءة الطويلة تأتي مهمة الكتابة المستمرة ، ولا يتحسن البيان إلا بهذا، وكما يقول الكاتب الأمريكي ستيفن كينج : ” إذا كنت تريد أن تكون كاتبا، يجب أن تفعل أمرين قبل أي شيء: تقرأ كثيرا وتؤلف كثيرا. لا توجد وسيلة أعرفها للالتفاف على هذين الأمرين، لا يوجد طريق مختصر “.

 وتعالوا لنأخذ مثالا مذهلا على من برع في الأمرين (العلوم الشرعية والبيان العالي) ، ونتلمس شأنه وقت التتلمذ وفي بقية مراحل حياته .. إنه الإمام محمد البشير الإبراهيمي.

تعدّد الفنون وتميّز الإبراهيمي:

يُعد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من أبرز علماء العصر الحديث الذين جمعوا بين العلوم الشرعية والفنون الأدبية. فقد كان عالماً شرعياً متبحراً، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل جال في مختلف فنون المعرفة، خاصة في مجال اللغة العربية، فنهل من أصفى منابع الشعر وألذّها، وارتدى أجمل أثواب النثر، واطلع على أمهات كتب الأدب التي صاغها كبار الأدباء.

إعجابُه بالشعراء الكبار:

كان الإبراهيمي يبدأ دائماً بالإشادة بالشاعر المتنبي، حيث وصف أثر شعره العميق في نفسه، وأن شعره  كان له الأثر الكبير عليه، فلا ينصلّ صبغه من نفسه، لما فيه من فحولة وقوة أسر، وسداد حكمة، وسيرورة أمثال، وإصابة أهداف، وتخطيط لدساتير البطولة.

كما أبدى إعجابه الكبير بما يحمله شعر أبي فراس الحمداني من اعتزاز بالعروبة، وتناول لأخلاق العرب وأمجادهم ومآثرهم، معتبراً أن شعر أبي فراس أصدق عنده من شعر المتنبي.

أما عن الشريف الرضي، فقد أشاد الإبراهيمي برقة شعره وبراعته في الوصف، وصدقه في الفخر. ولم يغفل أيضاً الإشارة إلى دقة المعري – رهين المحبسين – في وصف دسائس النفس وخفاياها.

وعرّج على البراعة في شعر ابن خميس التلمساني، وعذوبة شعر أبي إسحاق ابن خفاجة .

ثم انتقل إلى أمير الشعراء في العصر الحديث أحمد شوقي وما فيه من التجديد ، ومنازع التوليد ، والإشارة إلى ما في عصرنا من سمو الإدراك وتقدم العلم والمعرفة ،  والوفاء للأسلاف وما خلفوه من إرث عظيم .

تأثيُر النثر في مَلَكة البشير الإبراهيمي.

كما كان للنثر أثره بالغ في نفس البشير الإبراهيمي ، وذكر بعض الكتب التي هي محل التأثير الكبير فيه، أولها كما يقول: ” البخلاء للجاحظ لإبداعه في وصف نقيصة البخل، وانقياد اللغة له في الحديث عن الغرائز والأخلاق ، وتعمقه في فهم طبقات الناس ، ثم كتاب الحيوان له لجمعه بين العلم والأدب، وإحاطته بكل ما يتعلق بالحيوان من طباع وغرائز مختلفة وأقوال الحكماء والشعراء فيه، ثم كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ولا تسألني عن خصائصه التي أثرت في نفسي وجلبت قيادي إليه حتى تركتني أجدد قراءته من أوله إلى آخره في كل عقد من سني عمري وكلما قرأته تجددت آثاره في نفسي وتجاوبت أصداؤه بين جوانبي فبعث في روحًا جديدة – لا تسألني عن ذلك فكل أديب قرأه وكرّر قراءته وجد في نفسه من التأثر مثل ما أجد، أو فوق ما أجد، وتجددت عنده صوره من روعة الأدب العربي وجلاله.

هذه هي أمهات الكتب الأدبية التي أثرت في نفسي بعد تأثري بأمهات الكتب الدينية الصحيحة، وأصلها كلها كتاب الله .

إن الكتاب الذي يقرأ كالطعام الذي يؤكل، فطعام يعطي آكله القوة والفراهة، وطعام يعطي آكله الضعف والهزال، وان المتبحر في قراءة الأصول الأدبية في أدبنا العربي بمعناه الواسع العام لا يعرف في أدبائنا الناشئين أثر الكتب التي قرأوا وما قرأوا إلا النزر اليسير.

 نصيحتي الخالصة للأدباء الناشئين أن يوفوا حظهم من قراءة الكتب العامرة التي تقوى بها الملكة، ويفحل الطبع وتزكو الثمرة، فإني أرى في كثير مما أقرأ هذه الأيام من الآثار الأدبية لناشئتنا أعراضا تشبه أعراض فقر الدم في الأجسام : نحول واصفرار “.

شارك المدونة

د. عبدالله الشهري

أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان في جامعة الأمير سطام بالخرج، كاتب ومدون.

4 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
عماد الدين زيدان
7 شهور

رضي الله عنكم أستاذنا…مبدع كعادتك

Ibrahima Barry
7 شهور

أحسن الله إليكم شيخنا الفاضل
نرجوا إكثار نسج المقالات المحفزة بهذا المنوال
لأن النفوس إذا حفزت تحفزت

محمد من المغرب
1 شهر

رائع، نشكرك جزيل الشكر على هذا المقال الممتع والمحفز.

أنس محمود
1 شهر

جزاكم الله خير الجزاء

جمييييل زيك يا استاذنا

المزيد من النشرات