الغذامي المُبْهِر! ( 1-3)

 

الغذّامي المُبْهِر!     (1-3)

أرجو ألا تنشغل أيها القارئ الكريم بالعنوان، من حيثُ المعنى وهل هو على الحقيقة أو المجاز، وما دلالاته ومآلاته وأبعاده..

فأمر العنوان يسير، ولعل الأمر يتضح بعد الانتهاء من قراءة هذه المقالة بأجزائها الثلاثة، والتطواف مع أفكار صاحبنا د. الغذامي.

والداعي إلى كتابة هذه “التوريقة” دهشتي البالغة بعد استماعي لحلقة الدكتور الأخيرة في بودكاست “عرب كاست” والتي تنقّل فيها الدكتور بنا من مسألة إلى أخرى ومن رأي إلى آخر، دون أن يجعلنا نقبض على معنى متماسك، ورأي متين، وفكرة خلاقة!

وهذا لا يمنعنا من الثناء على بعض ما جاء في الحلقة من أشياء أحسن فيها وأجاد، ومن ذلك حديثه عن القيم الإيمانية كالخوف من الله ومراقبته، وثنائه الطيب على القادة والعلماء، والرؤى والسياسات للبلد.. وهو غير مستغرب من الدكتور وفقه الله.

رقصة المتناقضات:

أتابع أبا غادة من قديم، ولا أبالغ إن قلتُ إنني أقرأ وأستمع له منذ ربع قرن بل أكثر، وفي كل مرة، ومع كل إطلالة أرى أن أبا غادة يمارس القفز والتنقل بين الاطروحات بدهاء، فما إن نشعر أننا قبضنا على رأي له في مسألة، حتى يفجأنا برأي نقيض وفكرة بعيدة أو على الأقل برأي يشوّش على ما سبق ..

وهاك واحدة من المسائل التي لا يجعل بينها وبين نقيضها فاصلا زمنيا ينسي السامع أو القارئ، بل هذه في إثر تلك: حين سأله أ.جمال الملا عن السعي وراء الجماهيرية، ولك أن تعجب من جواب الدكتور وأنه لا أحد يستطيع أن يسعى أحد للجماهيرية وأنه لو استطاع لمشى لذلك!

  وأن الجماهيرية تأتي ولا يسعى لها!

 لا أدري أين يعيش أبو غادة هل هو معنا على كوكب الأرض، أو يعيش في يوتوبيا خاصة ؟!!

حسنا بعد كلامه هذا بدقيقتين فقط تناول مسألة (ليست مهمة) وهي التفريق بين طلال مداح رحمه الله ومحمد عبده، وذكر أن الأخير (مهتمٌّ باللي يجذب الجماهير وبس) والشاهد (فوق هام السحب وطيرانها في الآفاق) ولم يجعلنا الدكتور نرتبك ونحتار، فالجماهير تتحرك لأسباب كما يقول أبو غادة، ثم أراحنا بقوله (وسأنقض مقولتي) ..

 على كل حال، ليست هذه بأولى المتناقضات في اللقاءت الغذّامية، ولعلنا نعتذر له بأن الكلام الشفوي غير الكتابة المحررة، وليس بعذر على الحقيقة، لكن مقام أبي غادة وإرثه الفكري والنقدي يجعلنا نقول بهذا العذر.

وهاك الثانية: ولا أدري هل هو تناقض أو تخلُّص من ورطة!

تحدّث عن أنه مرّ بفترة إلحاد، حتى صرح بقوله (ألحدتُ، ألحدتُ) وحتى يخفّف من تعجب المحاور، قال إنه كان في المرحلة الثانوية يقرأ كثيرا بشكل لا يتصوّر (سوسةُ كتب)، الورطة تكمن في أن مفاد كلامه: أن القراءة الكثيرة للشباب قد تجرّ إلى الإلحاد، فاستدرك مباشرة وقال: (الإلحاد لا ينتظرك حتى تقرأ هو يجيك) !

تذكرت مقولة الناقد الكبير جورج طرابيشي وهو يتتبع مرقومات حسن حنفي ليحللها، فيقول: (ما من كاتب أتقن رقصة المتناقضات كما أتقنها حسن حنفي)  ..

“Respect for scientific specialization

 المعذرة ليس من الحسن أن أعنون بلغة أجنبية وأنا أكتب مقالي بالعربية، ولكن أرجو أن تمرروها لي، كما نحاول أن نمرر لأبي غادة كلمة (agnostic) حين أراد أن يقرر مفهوم الإلحاد، فلم يجد ألا أن يصرّ على هذه الكلمة وكأنها هي الحاسمة للمعنى والمفهوم.

وحين يدعو الدكتور إلى أهمية الكتابة عن معرفة وتخصص نجده يتقحّم ما ليس من بضاعته، بحجة أن الناقد واسع الخطوة، له أن يركض في كل ميدان أو هكذا نفهم عنه.

  • تحدث الدكتور عن الإلحاد ( وقد كتب عنه لأنه ظاهرة ثقافية، فهي إذن من صميم عمله بل مشروعه) وتناول معاني الإيمان والاعتقاد والقلب والنفس بحديث فيه شيء من الصواب، ولكنه لم يشأ أن يدع عادته في ممارسة النهس من المعاني التي ليست من تخصصه، وهنا أورد شيئا مما يعتبر من بضاعة المتخصصين في العقيدة أو الفلسفة أو غيرها، وتوسّل بإيراد اسم ابن تيمية وابن القيم حول معنى القلب (غير العضو) وأنه هو النفس والروح، ولم يرد أبو غادة أن يجعلنا نبقى في نشوة الفرح برجوعه إلى الشيخين حتى أضاف معهما هيجل، حتى تكتسب المسألة بعدها الشرعي والفكري والفلسفي وحتى لا نجد لنا مندوحة من التسليم برسوخ هذا المعنى وثباته ..

حسنا ..هل واصل أبو غادة عرض الفكرة ببعدها الشرعي والعقدي على صوابيته عند أهله؟

  لا، فالدكتور لا يريد لنا الاستماع المريح، والتفكير السلس، لابد من ضربة هنا، وركلة هناك ..

نكمل في الحلقة الثانية بإذن الله

وفيها (ضبابية الأفكار ورماديتها، ومخالفات صارخة لمعانٍ شرعية)

 

للتواصل : [email protected]

واتس أب 00966555411722

 

شارك المدونة

د. عبدالله الشهري

أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان في جامعة الأمير سطام بالخرج، كاتب ومدون.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات