الغذامي المُبْهِر! ( 3-3)
- 3 يناير، 2026

شارك المدونة
الغذّامي المُبْهِر (3-3)
“منسي” عند الطيب صالح شخصية عجيبة مليئة بالمفارقات، يكثر من “الحلبسة” ملحوظة: هنا لا نقصد المشروب المعروف.
والحلبسة ليست مصطلحا مضبوطا في المعجم اللغوي، وإنما هي في الحديث السوداني الشفوي -كما يفهم من إيراد الطيب له- هي خليط من التخبيص الذكي وبعض من العبث الملتوي، مع إرباك للآخرين.
والطيب هنا منبهر من شخصية منسي المبهرة، فكل احتفال تجده فيه ضيفا ومستضافا، وكل مدينة تقرأ عنها تجد “منسي” قد سبقك إليها، وكل معلومة وصلت إليها بشق الأنفس، عند منسي خبر عنها قبلك!.
تأملت بعضا مما ورد في بودكاست الدكتور؛ فأصبت بالحيرة، لأنني سمعتُ شيئا لا يقبله العقل المنطقي الذي يحتفي بالمعني الصحيح والبرهان الساطع.
و الذكاء يا سادة حين لا ينضبط بمنهج يوقع صاحبه في ورطات كثيرة ومطبات مؤلمة..
كما أنني لا أتوقع أن الدكتور يتعامل مع النصوص بالمنهج الذي يعمل به في القصيدة والنص النثري، وبعيد جدا أنه يتغافل عن الدلالة الشرعية الذي ينطق بها النص القرآني، ليختار معنى يتفق مع فهمه ورؤيته حول “المضمر الخفي” أو النسق كما يسميه.
هل يقبل أن يُقال إن كل نصّ عند أبي غادة هو متاح لاستخراج المعنى الذي ينقدح في الذهن دون ضوابط، وهل إعمال العقل النقدي يجرى على كل نص؟!
الحقيقية أن الدكتور أدخلنا في ورطة ومشقة ما يسمى بمحاولة الفهم واستصحاب حسن الظن ..
لن أقف مع قول الدكتور في حديثه عن الموت الذي لا يخافه (الموت ليس مصيبة ..)
لأننا هنا أمام إرسال لفظة موهمة، وكما نعلم منهجيا، أنّ (ضبط المصطلح مهم، وخصوصا من أهل الفهم والثقافة الواسعة) فالكلام إذا لم يوضّح يُلبس على السامع، يقول تعالى: (فأصابتكم مصيبة الموت)، فالموت مصيبةٌ على الأحياء بفقدهم أحبابهم، وطريق إلى مصائب لا يعلمها إلا الله في حق الغافلين والمعرضين ،، وهو بوابة إلى نعيم وسعادة وحبور التي نرجو من ربنا أن يجعلنا من هؤلاء وأستاذنا الغذامي والمسلمين .
لكن تعالوا إلى حديثه عن الإيمان والاعتقاد، إذا يقول: (القلب لا يعتقد، القلب يؤمن! )..
المطالبة مرة أخرى باحترام التخصص!
بالعودة إلى مراجع الاعتقاد ومدوناته باختلاف الأزمان سيجد الدكتور أن “الإيمان” معرّف في تلك المدونات لغويا بأنه تصديق القلب وإقراره وهذا هو الاعتقاد، وشرعيا بأنه اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، وهذا الاعتقاد القلبي جزء من ماهية الإيمان..
ولن أسرد النقولات المستفيضة في هذا، فيمكن للدكتور ومن خلال هاتفه أو حاسوبه العودة لذلك، وسيذهل من كثرة النتائج، وسيعلم أن الفهومات الخاصة لا يحسن بها تقحّم المعاني الشرعية ومحاولة التجاهل أو العسف أو المخالفة.. وأنه لا حاجة هنا لاستدعاء رولان بارت، وإماتة مئات العلماء الشرعيين واللغويين!
العجيب أن “موت المؤلف” عند الدكتور قد ملأ الدنيا حديثا عنه، بينما الدكتور من خلال حديثه في البودكاست وغيره، هو من يحي سلطة المؤلف حين يحاصر السامع أو القارئ ليجعل من كلامه مرجعا نهائيا، أو هكذا فهمت!
شتات الكلام ومراوغته:
الحقيقة أنك لا تخرج كما ذكرت آنفا بمعنى متماسك وفكرة واضحة، فالكلام مرسل سائل، وليت أن زيجمونت باومن أدرك الحلقة، ليضيفه إلى إحدى سيولاته الشهيرة.
ومن يتشكك في ما أقوله هنا، فليعد إلى البودكاست، وليحاول أن يسجل في ورقة ما يجده من أفكار، يمكن لها أن تكون مادة جيدة للإثراء المعرفي.
الدكتور حاول إظهار شخصية الهادئ الذي يناقش المسائل بأريحية، لكنه ينتفض عند ورود من يختلف معهم، فورود اسم البازعي فقط يريك مدى الاضطراب الشديد في وجهه، حتى الشيباني رحمه الله سمعنا به من الدكتور، وأفهمنا أنه غضوب سريع الضجر، وأنه وأنه … وظني أن غالب المستمعين لا يعرفون الشيباني، وتمنّوا أن يعرفوه.. فقط خرجوا بفكرة الشخص الغضوب الذي لا يقبل النقاش ! (بالمناسبة لدار جداول كتاب حافل عن الأستاذ أحمد الشيباني ، يحسن الرجوع إليه).

- قصيدة النثر، والتفعيلة، والقصيدة العمودية ليست من تخصصي، لكنْ قرأتُ لمن أبدى استغرابا كبيرا من الدكتور حين هوّن من القصيدة العمودية لوجود البحر والقافية مما يسهل على الشعر أن ينظم وينشد ، أما قصيدة النثر فجعلها غاية في الصعوبة! فلذلك أتجاوزها .
وبعد هذا التطواف السريع فليحتملني أبو غادة، لأقول أنت من علمتنا أن نبحث عن “النسق المضمر” خلف الجماليات، لكن حديثك في تضاعيف الحلقة، في حقيقته تشبّثٌ بالرأي وقفز على المعنى، ولا أظنك ستقبل أن نمارس أدواتك عليك!
خصوصا وأنت القائل:
ماذا لو كنتُ مخطئا؟
سؤال تكون له قيمة معرفية إذا تم توجيهه للذات السائلة، وما لدى الذات من منجز متحقّق أو نظرية نقدية، بهدف رفع الحصانة عن الذات والمنجز كي لا يتحوّل المنجز إلى إرث ذاتي نركنُ إليه لدرجة الاستسلام له فنكون تحت سلطته.
للتواصل : [email protected]
جزاكم الله خيرا ونفع بكم