كٌلْفة الفهم
- 5 يناير، 2026

شارك المدونة
كُلْفة الفهم
القراءة في نصوص “الكبار” لا تعطي المعرفة والمعلومة فحسب، بل ترفع مستوى الاستيعاب، حتى إن القارئ إذا كان من دأبه انتخاب النصوص العميقة، وإعادة النظر فيها فسيلاحظ أن قدرته التحليلية ومستوى إداركه للمتناقض والغامض والملبس يرتفع بصورة بيّنة واضحة، وتصبح نظرته للنصوص نظرة بانورامية لا تختفي فيها الزوايا لتبقى زاوية واحدة، بل الكل مترابط متحاشد متظافر ..

ذكر جون ستيوارت مل أنه عندما قرأ لـ ” كارليل” تفتّح عقله بعد ضيق، وأن أزمته الفكرية والنفسية انفكت جزئيا، وانكسرت حدوده الفكرية الأولى، بعد قراءة مكثفة في الأدب، والنقد الأخلاقي للتجريد العقلي، وهذا ما وجده بالفعل عند كارليل!
وقريبا من هذا ما ذكره كانط مما أحدثته قراءة نصوص ديفيد هيوم، حتى قال : “لقد أيقظني هيوم من سباتي الدوغمائي”، وكان من إفرازات ذلك كتاب “نقد العقل المحض” وهو من اشهر الكتب عبر التاريخ.

ودارون صاحب “أصل الأنواع” أورد في سيرته أن كتاب مبدأ (نظرية) السكان لـ”توماس مالتوس” كان هو ما قدح فهمه ليصل إلى فكرة البقاء للأصلح.

لا تتوقف القراءة في مثل تلك النصوص للكبار عند هذا، بل تٌكسب القارئ شيئا من القلق المعرفي الضروري، هذا القلق لا يقبل الاكتفاء بالفهم الأولي، وتتابع النظر في الأسطر والصفحات كما يفعل غالب القراء، بل يحفز صاحبه إلى فهم النص وتحليله واكتشاف الثغرة والفجوة، ومحاولة سدّهـا، وربط المعاني التي ينضح بها النص مع المعاني الراسخة في عقل القارئ، ليتمّ التلاقح والتزاوج المعرفي، ولا تسلْ بعدها عن ارتفاع المستوى العلمي وتوسع الأفق عند قارئنا!
هذه العمليات تصبح حركة ديناميكية اعتيادية لدى القارئ، ولكن لن يكون كذلك إلا بعد دُربة ومعاناة لمدة مع نصوص متنوعة تبدأ من الأسهل نسبيا، ومن ثم ترتقي إلى أن يصبح القارئ يطالع -مثلا- السجال التيمي تجاه طروحات الفخر الرازي، ويفهم مقاصد كلا منهما، دون أن يفوته من الذي ظفر منهما بالحجة الأقوى، ومن ثمّ يقف على ما لا يقف عليه غيره من المعاني والفهوم.
وحتى تعرف أن كثيرا من طلاب الدراسات العليا والباحثين يجانبون هذه الفكرة، انظر في عدد من الرسائل العلمية والأبحاث الأكاديمية (وخاصة في تخصص العقيدة والمذاهب والفكر)، لترى كيف يقفز الباحث على مسائل من المهم ألا يقفز عليها، وأن يتناولها بفهم ووعي. فضلا عن عدد كبير من الباحثين الذي لا يرغب مطلقا في اختيار مثل تلك الأبحاث التي من لازمها القراءة في النصوص المهمة لكبار العلماء والمفكرين، ويسارع إلى اختيار موضوع يسير يريحه من العناء، من أمثلة (جهود فلان في تقرير …. ، منهج فلان في …..) .
وبعد هذا كيف لنا أن نصاول أولئك القوم الذين قد سبقونا بمسافة في ميدان الأفكار، وأصبح عشاق القراءة لا يقتنون إلا كتبهم ثقة بفهومهم الكبيرة، وحسن معالجتهم للمسائل.. ولا تجد – غالبا- الجماهير القارئة الواعية الزاحفة لمعارض الكتب تبحث عن شيء من الكتب الثقيلة إلا لأولئك القوم.
وأجزم أن عددا كبيرا من المتخصصين، لم يسمع مثلا بطه عبدالرحمن أو أبو يعرب المرزوقي، وإن سمع لم يقرا لهما!
ولا أقول هذا إلا بعد استقراء ومثافنة مع من أعرفهم من محبي العلم وزوار المكتبات.
ولا حاجة هنا لتناول مسالة محزنة مؤلمة، وهي تزهيد بعض الأشياخ والأساتذة لطلابهم من الاهتمام بهذا الشأن، فالأمر فيه محزن والكلام فيه يطول.
وللكلام تتمة في مقال قادم بإذن الله .
بارك الله فيك
جزاك الله خيرا
كيف يمكنني نشر مدوانة مثل هذه
دكتور نحتاج مجتمعا تفاعليا خاصا تحت إشرافكم، نصوصكم تثير تفاعلا معرفيا ملحا يحتاج توجيها لدى الطالب للمعرفة المليئة بالصخب في وقتنا الحالي.
جزاك الله خيرا.
بارك الله فيك
بارك الله فيكم
حفظكم الله ودام ثراء هذا القلم الخصب
مقال نافع بوركت
لم يعجبني وضع داروين ضمن ” الكبار” الذي ذكرتهم