ماذا فعلت القراءة بهؤلاء ؟ (1)

 

ماذا فعلت القراءة بهؤلاء ؟ (1)

 

هذه السلسلة حول تأثير القراءة في حياة العلماء والمفكرين والفلاسفة، هي بحسب ما دوّن في تراجمهم وسيرهم الذاتية أو الغيرية..

الشخصيات متنوعة، مختلفة الأديان والتوجهات والتخصصات والنزعات..

القصد من هذا التنوع الوقوف على الأثر القرائي، وتلمس التجربة، واكتساب الخبرة..

لن تطرب لكل شخصية، وربما لن تتذوق ما يدوّن عن بعضهم .

ولكن أجزم أن الذي سيقرأ السلسلة كاملة ويتابع حلقاتها، ويضم النظير إلى نظيره، ويعاين الفكرة والتجربة سيخرج بنتيجة ذات أثر عميق على اهتمامه، ولربما ساعدت في بدء التخطيط لقراءات واعية ومؤثرة، وأعانته على معرفة مصادر مهمة غائبه عنه ..

تنبيه : المنشور مختصر في كل حلقة، والتوسع هو في مادة قادمة في كتاب جديد، يضم عشرات الشخصيات “المتفردة” بإذن الله.

———————————

الشخصية الأولى:  ويليام جيمس ..

وليام جيمس المتوفى سنة ١٩١٠ م ، فيلسوف وعالم نفس أمريكي، من مؤسسي الفلسفة البراغماتية ومن روّاد علم النفس الحديث ..

هو شقيق الروائي المعروف هنري جيمس ، وكاتب اليوميات أليس جيمس.

أبرز من تأثر بأفكاره جون ديوي، وجورج هربرت ميد.

له مقولة مشهورة: ” إن الاكتشاف الأعظم الذي شهده جيلي، والذي يقارن بالثورة الحديثة في الطب كثورة البنسلين، هو معرفة البشر أن بمقدورهم تغيير حياتهم عبر تغيير مواقفهم الذهنية”.

التجربة القرائية:

تستطيع بعد سبر حياة وليام جيمس القرائية، أن تقول: إن القراءة كانت عنده إعادة لتشكيل الذات، وتأسيسا متينا لارتقائه نحو التفرد والبزوغ ..

نعم .. لم تكن قراءة وليام جيمس قراءة ذات نزعة فردية قاصرة تبتغي مجرد الاطلاع والاستمتاع، بل كانت ممارسة عميقة لإعادة بناء الذات وإحداث التغيير، واستنبات منظومة فكرية متنوعة ومتمايزة.

قرأ ويليام جيمس “بنَهَم”وتوسّع لجملة من المفكرين الذين ينتمون إلى اتجاهات متباينة ومن أبرزهم: ديفيد هيوم، وسبنسر، وروسو، وداروين، ووالت ويتمن، وكانط، وشكسبير، وشيلر، وآخرين. وقد انعكس هذا التنوع على بنائه المعرفي بوضوح؛ إذ لم يتوقف عند الانتماء إلى مدرسة فلسفية بعينها، بل تعامل مع مختلف الأفكار، كنتاج يمكن تشكيله حسب معطيات المرحلة ..

تعتبر قراءته “لديفيد هيوم وسبنسر” اتصالا قويا مع النزعة التجريبية والعقلانية الصارمة، بينما فتحت له أعمال “روسو وويتمن” أفقا رومانسيا يحتفي بالفرد والتجربة الداخلية. أما “داروين” فقد ترك في نفسه أثرا بالغا بتفسيره التطوري للحياة، مما جعله يعيد التفكير في الثبات والمعنى. وبلغ التوتر بين الجماليات والأخلاقيات ذروته في تأثره العميق بمقال “شيلر” عن الرشاقة والكرامة، الذي عبّر من خلاله جيمس عن إدراكه لصراع داخلي ورثه عن والده بين “الخلقي” و”الجمالي”.

ومن هنا، فإن فرادة وليام جيمس لم تكن نتاج فكر واحد، بل حصيلة دمج وتماس مستمر مع تيارات معرفية متناقضة، تعامل معها لا بوصفها قوالب جاهزة، بل مواد أولية شكّلت رؤيته الخاصة.

هذا الصراع القرائي هو أبرز سبب لتميزه ، والتكوين الفلسفي الذي عرف به.

 

*وإلى شخصية أخرى (ذات اتجاه وفكر مختلف).

 

 

شارك المدونة

د. عبدالله الشهري

أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان في جامعة الأمير سطام بالخرج، كاتب ومدون.

10 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
محمود على
10 شهور

ممتاز هذا التوجيه

سلام
10 شهور

جزاك الله خيرا

عبد المؤمن
10 شهور

كيف مات سنة 1910 ويتحدث عن ثورة البنسلين الذي اكتشف سنة 1928

عبدالله
10 شهور
ردّ على  عبد المؤمن

أين تحدث عنها ، هات المرجع موثقا؟

عبد الجبار
10 شهور

أحب القصص مثل هذه.

شام
10 شهور

جميل، ولكن لو تعمقت يا دكتور أكتر حتى نستفيد، جزاك الله خيرا.

عبدالله الشهري
10 شهور
ردّ على  شام

سيكون في كتاب بإذن الله

أم اسية
9 شهور

جزاكم الله خيرا

علي المري
9 شهور

دكتور بارك الله فيك هل لديك حسابات في السوشل ميديا لاني كنت أتابعك ع التليغرام وتم ازالة الصفحة

صالح محمد
7 شهور

رائع جدا، وانتظر باقي الشخصيات بشغف

المزيد من النشرات